azzaman
2004/06/13
... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

آراء ومقـــــالات - تيسير نظمي - كاتب مقيم في عمان

آراء ومقـــــالات - تيسير نظمي - كاتب مقيم في عمان
- بقايا النكبات والبدو والفلاحين
- عَمّان مدينة احتضنت ضحايا حروب الآخرين

قد لا ينتبه كثير من المواطنين أو السكان والزوار للمدينة داخل أي مدينة، ودعنا نفترضها عمان ــ العاصمة الأردنية ــ تلك المدينة إفتراضا يمثل مدناً وعواصم أخري. فضجيج وفوضي اللافتات والعناوين وأسماء المحلات والوانها منسي بحكم أن هذا الزائر أو المواطن كائن استهلاكي يبحث عن السلعة بالدرجة الأساس وقلماً يلتفت أويدقق ويمعن النظر، بل ان الكثيرين يدخلون بسرعة بدلالة السلع المعروضة علي واجهة المحلات من دون أن يقرأوا اسم المحل حتي إذا ما كرروا الزيارة والشراء اضطروا لمعرفة العنوان والاسم، واستبصار المفارقة أو النفور من الاستفزاز. لذلك لا يشكل هذا الموضوع أهمية ثقافية وحضارية لجميع الاستهلاكيين، مع انه يكاد يفتك بعقل المتأمل الذي يتجول في المدينة ليس بقصد الشراء وإنما بدافع الفرجة وإشغال الذاكرة وتداعيات التاريخ والثقافة والفن، أو دعنا نقول بدافع قياس المظهر إنسانياً وحضارياً. ومن الملاحظات التي خبرتها نتيجة تجوالي لممارسة الرياضة أحياناً وللاستمتاع بالطقس أحياناً أخري أو للاثنين معاً غالباً، انك لن تستطيع صنع أي فضاء يعيد لرؤيتك البصرية شيئاً من الإتزان والنسق والجمال إن لم تنظر للسماء الزرقاء ولسحابها الأبيض إن وجدته أو إلي اللون الأخضر في الشجر إذا تصادف مرورك بالمدينة الرياضية كي تحتمي عيناك وقلبك ورؤاك بالطبيعة عوضاً مجانياً عن الاستفزاز الذي تواجهك به المدينة وتجارة المدينة وأسعار المدينة وسياراتها وحركتها التي لا ناظم لها ولا نسق ولا مصداقية ولا وحدة تاريخية أو ثقافية علي الإطلاق. وكما وجدتها أول مرة وحتي الآن (12 سنة) ــ عمان مدينة ضد الشعر وضد الرواية وضد الجملة المفيدة حتي لا نقول ضد اللوحة وضد القصة القصيرة والمسرح والسينما. فقد نشأت بسرعة وتنامت وامتدت أفقياً وعمودياً بفعل قوة واندفاعات رأس المال تارة وبفعل وقوة المأساة في أمكنة أخري تارة اخري. تفيد بعض المراجع أن عمان شهدت انتعاشاً خلال الحرب العالمية الثانية وفي أعقابها، وأنها شهدت نمواً آخر مطرداً في أعقاب نكبة 1948 وأنها شهدت نهضة تجارية وعمرانية بعد هزيمة 1967 وحرب 1973 واجتياح وغزو لبنان 78 ــ 1982. كذلك لا ننسي الحرب الأهلية في لبنان والحرب العراقية ــ الإيرانية وصولاً لتحويلات مدخرات العائدين من الكويت وبقية أقطار الخليج عامي 90 ــ 1991 الأمر الذي نجم عنه أيضا خروج الكثير من المثقفين والفنانين العراقيين من العراق إبان الحصار ومساهمتهم حتي في الفترات الوجيزة التي قضوها أو الطويلة نسبيا في الحراك الثقافي في عمان وخاصة في مجالي الفن التشكيلي والتعليم الجامعي. ومع ذلك لم يطرأ شيء يذكر علي المنتج الثقافي المحلي إزاء التأثيرات الوافدة بكل مكتسباتها الثقافية والحضارية والمادية، بشكل مواز للمكتسبات العقارية والتجارية والاقتصادية التي كانت رغم كل الظروف المحيطة تنمو باطراد وتزدهر نسبياً لما يشكله الأردن بالنسبة للمحيط ودول الجوار من موقع جغرافي وسياسي في ظل ظروف غاية في التعقيد لدي الأشقاء عرب الجوار سواء القادمين منهم للسياحة او للزيارة أو للتجارة أو للمرور فقط. من هنا تعدد الخطاب التجاري المعلن وراكم من فوضاه وقسوته.
وأختلط التجمع السكاني الذي يقطن عمان تحديدا اختلاطاً وتعددا عزز عدم تجانسه التاريخي، ومنحت اتفاقات السلام في التسعينيات (أوسلو ــ ووادي عربة) هذا الاختلاط والتهجين عوامل أخري زادت في جعل المدينة ملتبسة بإمتياز بفضل تدفق السياح والتجار الأجانب حيث لكل وافد أو زائر مأرب مما أفقد العاصمة فرصة تشكيل ملامحها الخاصة. فالأجانب مثلا يهتمون بمواقع غير عمان مثل البحر الميت والبتراء والعقبة اضعاف اهتمامهم بالمكوث في مدينة الفنادق والعقار. والمدينة رغم طلائها الحداثي في الإعلان والتسويق لم تزل تكشف عن نفسها بإعتبارها عاصمة لم تستطع حتي الآن صهر قيم البداوة والريف والتجارة والسياحة في نسق واحد. فإذا كان التاجر يطرح غير اسمه أو اسم قريته أو عشيرته أو سلالته من عناوين العصرنة والحداثة فإنه والمشتغلين لديه غير قادرين علي مواكبة هذا الطرح أو الذهاب إلي تمثله بمصداقية. وسوف تعزز مخرجات التعليم ومستواها مثل هذا الطرح عندما تكتشف ضعف جاهزية المشتغلين في مجالات تتطلب طلاقة في معرفة أساسيات التخاطب بلغات أجنبية. ثم تكتشف أيضاً أن لكل مدينة أحزمة فقرها الخاصة التي ستواجهك حتماً لدي انتقالك من قصور عبدون ودير غبار والصويفية إلي مخيمات البقعة والوحدات وجبل الحسين (الفلسطينية المستضافة منذ 54 عاماً علي الأقل مع أن الغالبية العظمي من سكانها أردنيون) ومناطق شعبية أخري في عمان الشرقية وفي جنوبها. لافتات تكاد باسم التجارة تواجهك بطرحها السياسي كمعلن وحيد لمن لم يتبق له غير عنوان المحل أو المتجر من مساحة إما للعمل أو للحلم بعد أن بات الإعلان في الجريدة لا يقدم مع البعض أو يؤخر، كل ذلك يشهد اليوم زخما اشد وفوضي استفزازية ليس في قوامها اية وحدة جمالية، إنها بحق مدينة آخذة بالإبهار فقط وعند فحص الأسعار ومستوي الدخل تعلن عن قسوة متناهية وفضاءات لن تفتح إلا لسائح عابر ولنصف كائن بمديونية ولشبه إنسان يصعب عليه إذا مكث بها قليلاً ان يتذكر ما كانه قبل شهور، لذلك قلما تعثر علي المثقفين فيها خارج بعض المقاهي في وسط البلد وبخاصة العراقيين منهم ممن لم يبرحوا عمان التي تغادرهم كل ساعة في اتجاهات لا يعلم المواطن العادي البسيط إلي أين ستفضي به هوأولاً. مدينة مظهرها لا يدل علي جوهرها، وجوهرها انها رأس مال ما تبقي من نكبات وحروب ومتجولين وما تبقي من سياحة، لذلك لم يكن مستغرباً أن يقبض العاملون فيها في وزارة الثقافة رواتبهم ومخصصاتهم من وزارة السياحة.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1835 --- Date 14/6/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1835 --- التاريخ 2004 - 6 - 14

AZP07

Editor in Chief   Saad Albazzaz
تصويت
ما الذي سيحصل في العراق اذا طبق قانون الاقاليم؟
استقرار العراق
انتهاء العنف
تفتت العراق
انهيار الامن



   مقال فاتح عبد السلام 

Alefyaa
Alsharqiya TV
alsharqiya.com
International Edition الطبعة الدولية
Iraqi Edition طبعة العراق